حكم من حلف قبل البلوغ وبعده — مع بيان الكفارة

عندما كنت صغيرًا، كنت أحلف كثيرًا، وكنت أنسى معظم الحلف؛ لكن تذكرت أني حلفت أني سوف أهزِم فريق بنتيجة معينة؛ ولم أستطِع فعلها، وكنت تقريبًا بلغت، لكن نسيت الموضع منذ زمن بعيد، وتذكرته الآن.

الـجـــواب
1- لا ينعقد اليمين قبل البلوغ حيث يكون الإنسان مكلفًا إذا كان بالغًا عاقلًا يقظًا، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((رفع القلم عن ثلاثة : عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم)) أخرجه أبو داود في سننه، فيجري على الإنسان القلم ويحاسب ببلوغه عاقلا، وللبلوغ علامات منها خروج المني، والحيض، والحمل، وبلوغ السن، فمن لم يخرج منه المني يكون مكلفًا وبالغًا منذ إكمال خمس عشرة سنة قمرية.

قال شيخ الإسلام النووي الشافعي –رحمه الله تعالى- في “منهاج الطالبين” (ص 123، ط/ دار الفكر): [والبلوغ باستكمال خمس عشرة سنة أو خروج المني ووقت إمكانه… وتزيد المرأة حيضا وحبلا]

فلا يأثم الإنسان قبل سن التكليف.

2- أما إذا كان اليمين بعد البلوغ، فنقول لمن حلف يمينا وحنث فيه:

– إذا لم تكن قد عقدت النية على الحلف، ولم تقصد اليمين بقلبك فلا شيء عليك، ويعد ذلك من لغو اليمين.

قال الإمام ابن قدامة في “المغني “(9/ 496، مكتبة القاهرة): [(والكفارة إنما تلزم من حلف يريد عقد اليمين) وجملته أن اليمين التي تمر على لسانه في عرض حديثه، من غير قصد إليها، لا كفارة فيها، في قول أكثر أهل العلم؛ لأنها من لغو اليمين].

– وإذا كنت عقدت النية عند الحلف، ولم يسبق لسانك بالحلف دون قصده يجب عليك كفارة يمين، وكفارة اليمين هي إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن لم تستطيعي يجب عليك صيام ثلاثة أيام، وإليك مزيد من التفصيل:

قال تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} [المائدة: 89].

أنواع الأيمان وتعريفها وما يجب فيها:

  • اليمين الغموس، وهي المحلوفة على ماض مع كذب صاحبها وعلمه بالحال، وسميت هذه اليمين غموسا؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم، والإتيان بهذه اليمين حرام وكبيرة من الكبائر؛ لما فيها من الجرأة العظيمة على الله تعالى، ويجب على من اقترف هذه اليمين أن يتوب إلى الله عز وجل ويندم على ما فعله ويعزم على عدم العودة إلى مثله، وعليه كفارة يمين على ما ذهب إليه الشافعية، وهو المفتى به.
  • اليمين اللغو، وهي التي يسبق اللسان إلى لفظها بلا قصد لمعناها ، كقولهم ” لا والله ” ” وبلى والله ” في نحو صلة كلام أو غضب سواء أكان ذلك في الماضي أم الحال أم المستقبل، وهذه اليمين لا إثم على قائلها، ولا كفارة عليه.
  • اليمين المعقودة، وهي كل يمين لا تعد لغواً، ومن حلف يمينا معقودا على أمر وحنث فيه، فكفارة يمينه إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.

قدر الكفارة بالوزن وقيمتها:

تقدر كفارة اليمين بصاع من غالب قوت أهل البلد، كالقمح، أو الأرز مثلا، عن كل مسكين من المساكين العشرة، كما ذهب إلى ذلك الحنفية، ويقدر الصاع بالوزن بالنسبة للقمح بحوالي (2.040) كجم، ومن كان عسيرا عليه إخراج هذا القدر يجوز له إخراج مُدٍّ من غالب قوت أهل البلد، والمد يعادل ربع الصاع، وقدره (510) جراما تقريبا عن كل مسكين، وهذا هو مذهب الشافعية، والخروج من الخلاف مستحب، والمبتلى يقلد من أجاز.

إخراج القيمة

يجوز إخراج الأرز أو القمح نفسه، ويجوز إخراج قيمة أي منهما للفقير، وهو قدر إطعام المسكين عن إفطار اليوم في كفارة الصيام، ولكن يضرب هذا القدر في عشرة.

وعليه فالمسلم إن كان قادراً أخرج عن كل مسكين من العشرة (2.040)كجم من القمح، أو قدر ذلك كفارة عن حلف اليمين، وإن كان غير قادر أخرج (510) جراما عن كل مسكين كفارة عن يمينه.

وبالنسبة للقسم، فلتعدد الكفارة صور بين الحلف والمحلوف عليه بيانها فيما يلي:

1- أن يفرد الحلف، ويعدد المحلوف عليه: كمن حلف على أمور شتى بيمين واحدة، فكفارته كفارة يمين واحدة ، كما لو قال : والله لن آكل ولن أشرب ولن ألبس، فحنث في الجميع فكفارته واحدة، وكذلك لو حنث في واحدة فقط من هؤلاء؛ لأن اليمين واحدة والحنث واحد ، فإنه بفعل واحد من المحلوف عليه يحنث وتنحل اليمين.

2- إفراد المحلوف عليه، وتعدد الحلف: كمن حلف على الشيء الواحد بعينه مرات كثيرة كأن قال: والله لا أفعل كذا، والله لا أفعل كذا، ثم يفعل المحلوف عليه، فالراجح أن عليه كفارة واحدة كذلك، وهذا هو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة؛ لأن سبب الكفارة واحد، فتلزم عنه كفارة واحدة ، وأما الجمع بين الألفاظ فإنه للتأكيد؛ لأن الثانية لا تفيد إلا ما أفادته الأولى، فلم يجب أكثر من كفارة واحدة.

3- تعدد المحلوف عليه وتعدد الأيمان: اختلف الفقهاء فيما يجب بالحنث في الحلف بأيمان متعددة على أمور شتى على قولين:

الأول: تجب كفارة عن كل يمين يحنث فيه، وإليه ذهب المالكية والشافعية والحنابلة،. وفسروا ذلك بأنها أيمان لا يحنث في إحداهن بالحنث في الأخرى، فلم تتكفر إحداها بكفارة الأخرى، كالأيمان المختلفة الكفارة، وبهذا فارق الأيمان على شيء واحد، فإنه متى حنث في إحداها كان حانثا في الأخرى، فإن كان الحنث واحدا كانت الكفارة واحدة، وهاهنا تعدد الحنث، فتعددت الكفارات.

والثاني: تجب كفارة واحدة، وبه قال أحمد في رواية ابن منصور، قال القاضي: وهي الصحيحة، وهو قول محمد من الحنفية، واستدلوا على قولهم بأنها كفارات من جنس فتداخلت كالحدود من جنس، وإن اختلف محالها بأن يسرق من جماعة أو يزني بنساء.

والأولى أن يعمل المسلم برأي الجمهور، وهو الرأي الأول، فمن كان شاقا عليه العمل بمذهب الجمهور فيجوز تقليد من أجاز من الحنابلة والحنفية، فالخروج من الخلاف مستحب، والمبتلى يقلد من أجاز.

قال الإمام ابن قدامة في “المغني ” (9/ 514) :[(ولو حلف بهذه الأشياء كلها على شيء واحد، فحنث، فعليه كفارة واحدة) وجملته أنه إذا حلف بجميع هذه الأشياء التي ذكرها الخرقي، وما يقوم مقامها، أو كرر اليمين على شيء واحد، مثل إن قال: والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا. فحنث، فليس عليه إلا كفارة واحدة. روي نحو هذا عن ابن عمر.

وبه قال الحسن، وعروة، وإسحاق. وروي أيضا عن عطاء، وعكرمة، والنخعي، وحماد، والأوزاعي. وقال أبو عبيد، فيمن قال: علي عهد الله وميثاقه وكفالته. ثم حنث: فعليه ثلاث كفارات. وقال أصحاب الرأي: عليه بكل يمين كفارة، إلا أن يريد التأكيد والتفهيم. ونحوه عن الثوري، وأبي ثور. وعن الشافعي قولان، كالمذهبين. وعن عمرو بن دينار، إن كان في مجلس واحد كقولنا، وإن كان في مجالس كقولهم. واحتجوا بأن أسباب الكفارات تكررت، فتكرر الكفارات، كالقتل لآدمي، وصيد حرمي. ولأن اليمين الثانية مثل الأولى، فتقتضي ما تقتضيه.

ولنا، أنه حنث واحد أوجب جنسا واحدا من الكفارات، فلم يجب به أكثر من كفارة، كما لو قصد التأكيد والتفهيم. وقولهم: إنها أسباب تكررت. لا نسلمه؛ فإن السبب الحنث، وهو واحد].

المصدر: دار الإفتاء المصرية