خطبة جمعة قصيرة.. تأملات في صفات عباد الرحمن

لدينا اليوم الجميل الطيب في خطبة جمعة قصيرة؛ بعنوان: تأملات في صفات عباد الرحمن. نُبحِر من خلالها في هذه الصفات التي ذُكِرَت في القرآن الكريم في آياتٍ نتأملها سويًا.

مقدمة الخطبة

الحمد لله الذي بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الخلق والأمر وإليه المصير، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، البشير النذير، والسراج المنير، ﷺ، وعلى آله وصحبه وأتباعه ذوي الخلق الكبير.

أما بعد، فاتقوا الله -عباد الله- فقد فاز من اتقاه، وأفلح من أطاعه وتولاه، يقول سبحانه في سورة لقمان {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ}.

الخطبة الأولى

أيها المؤمنون: إن عباد الرحمن لهم صفات عظيمة ذكرهم بها ربهم، بها استحقوا رفيع درجات، ونزلوا عند الله في أعلى المقامات، وحسبهم شرفا أن الله أضافهم إليه، فهم عباد الرحمن، وأي شرف أعظم من أن يكون الإنسان عبدا للرحمن {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

ومن تتبع صفاتهم وجد سر قربهم من الله استقامة بواطنهم؛ فلما استقام الباطن استقام الظاهر، وصلح القلب فصلح الجسد، فترى فيهم حقا وصف النبي ﷺ لصلاح الأجساد بصلاح القلوب «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». فاستقامة باطنهم – عباد الله – من أنهم {لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ}، فالله جل جلاله هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، يرونه في كل شيء، ويجدونه في كل مكون، فامتلأت قلوبهم بالله، ومع أنهم جاوزوا الفرائض إلى النوافل، فتجدهم {يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}، تراهم ذوي قلوب وجلة {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا}.

وقد علموا أن المال مال الله، فوضعوه حيث أمر الله؛ فلا إسراف ولا مباهاة، ولا منع حق ولا تقتير، بل أمرهم قوام، فكانوا من الذين قال الله فيهم: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}.

فعباد الرحمن – أيها المؤمنون – ليسوا ممن يستدين في غير ضرورة أو حاجة ملحة، وكم من إنسان أرهقته الديون من حب أن يكون له بيت كبيت فلان الكبير، أو سيارة كسيارة فلان الفارهة، ولو أحسن التدبير واقتصد لكان في راحة بال وطمأنينة نفس “والاقتصاد نصف المعيشة” وقد صدق من قال: إن الدين هم بالليل وذل بالنهار، وقد يصل الحال ببعض الناس أن يكتب شيكا غير مصدق ولا مغطى، وما يزال يعمل ذلك حتى يجد نفسه بين القضبان، وعباد الرحمن ليسوا ممن ينفق إنفاق ترف، فإن الترف تلف يجعل الإنسان يجري وراء شهواته وملذاته؛ فلا يردها عن شيء، ولا يحجزها عن لهو ولا لعب، حتى يجدها بعيدة عن الله، قد أرهقها الترف فصارت إلى تلف، فيندم ولات مندم {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}.

وما أبعد عباد الرحمن – عباد الله – من إيذاء الناس، فقد سلمت أنفس الناس وأعراضهم منهم، فقد تجسد فيهم قول النبي ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، بل كانوا سببا في أمان الخلق في أنفسهم؛ فهم لا يعتدون عليهم {وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ}، وسببا في أمان الناس على أعراضهم؛ فهم لا يرتكبون الفاحشة {وَلا يَزْنُونَ}، وحفظوا أموال الناس؛ فهم لا يأكلون أموال الناس بالباطل، و {لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ}، لسلب إنسان حقه أو لرمي بريء.

وما أطهر ألسنتهم! فقد علموا أنه {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، وليس عندهم إلا قول خير أو صمت، أسوتهم في ذلك رسول الله ﷺ القائل: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت»، فلا يلتفتون لقول جاهل فيهم {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا}، {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}، وما أبعدهم من الكبر والاختيال، فهم {الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا}.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، ﷺ وعلى آله وصحبه والتابعين.

أما بعد، فاتقوا الله -عباد الله- واعلموا أن عباد الرحمن بصفاتهم الجليلة كانوا بيئة صالحة للتربية، فهم قدوة بأفعالهم قبل أقوالهم، ولما كانوا كذلك رجوا الله أن يهب لهم من الأزواج والذريات ما تقر بها أعينهم، ولا يكون ذلك إلا بالكمال في الدين، والاستقامة في أحوال الدنيا، فيرون زوجاتهم وذرياتهم على طاعة لله، في سرهم وجهرهم، وباطنهم وظاهرهم، فيهم أخلاق من أثنى الله عليهم بقوله: { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}، فيكونون امتدادا لآبائهم في عمل الخير، وصدقة جارية لهم {فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}.

ولا عجب؛ فإن الأبناء ينشؤون على ما يرون عليه الآباء، وإن التربية بالأفعال أبلغ من التربية بالأقوال، رأوا آباءهم عاكفين على القرآن تلاوة وحفظا ودراسة وتدبرا فعكفوا، ويقيمون الصلاة فأقاموها، ويؤدون الزكاة فأدوها، ويصومون رمضان فصاموا، ويحجون البيت فحجوا، ويصدقون فصدقوا، ويخالقون الناس بخلق حسن فخالقوهم ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ}، {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}.

ثم نقرأ سويًا ما قاله -تبارك وتعالى- في سورة الكهف (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا).

هذا، وصلوا وسلموا على رسول الله الأمين، فقد أمركم بذلك حين قال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

الدعاء

اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آل نبينا محمد، كما صليت وسلمت على نبينا إبراهيم وعلى آل نبينا إبراهيم، وبارك على نبينا محمد وعلى آل نبينا محمد، كما باركت على نبينا إبراهيم وعلى آل نبينا إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن المؤمنين والمؤمنات، وعن جمعنا هذا برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.

اللهم أعز الإسلام واهد المسلمين إلى الحق، واجمع كلمتهم على الخير، واكسر شوكة الظالمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين.

اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت سبحانك بك نستجير، وبرحمتك نستغيث ألا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أدنى من ذلك، وأصلح لنا شأننا كله يا مصلح شأن الصالحين.

اللهم ربنا احفظ أوطاننا وأعز ولاة أمورنا وأيدهم بالحق وأيد بهم الحق يا رب العالمين، اللهم أسبغ عليهم نعمتك، وأيدهم بنور حكمتك، وسددهم بتوفيقك، واحفظهم بعين رعايتك.

اللهم أنزل علينا من بركات السماء وأخرج لنا من خيرات الأرض، وبارك لنا في ثمارنا وزروعنا وكل أرزاقنا يا ذا الجلال والإكرام.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم اغفر لكل من آمن بك، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.