فتاوى

هل احتفل الصحابة بالمولد النبوي الشريف؟

مع عظيم محبة الصحابة لرسول الله ومع عظيم قدر النبي في قلوبهم، ومع اعترافهم بمكانته وفضله وعظيم منزلته عند الله. ومع ذلك لم يحتفلوا بمولده ﷺ.

أصحاب النبي، الذين أمرنا الله ﷻ باتباعهم، بالسير على منهاجهم، بالتمسك بما كان من آثارهم وأخبارهم مع حُبهم -يا من تدعي المحبة لرسول الله- الصادق لرسول الله ﷺ؛ لم يثبت عن واحدٍ منهم أنه احتفل بمولد النبي -صلى الله وسلم وبارك عليه-.

مع عظيم المحبة والمقام والمكان. ولو أن ذلك ثبت ما قامت المعركة في كل عام، بل لكنا أول محتفلين به ﷺ.

لو ثبت، لو احتفل هو بمولده؛ وأنتم تعلمون أنه مات في اليوم الذي ولد فيه. فصار يوم مولده يوم وفاته، -صلى الله وسلم وبارك عليه-.

لم يحتفل ﷺ بيوم مولده. إن قلت صام يوم الإثنين فافعل كما فعل ولا مزيد. إن قلت صام وقال «ذاك يوم ولدت فيه» فافعل كما فعل، وقد أصبت السنة والهدي؛ ولا مزيد.

أما أن نجعل يوم مولده عيدا واحتفالا. وأن يجتمع فيه الناس على طبلٍ ورقصٍ وزمر. وأن يؤتى بشاعِر أو راقِص يقال عنه مَدَّاح. وأن تكون في ليلة مولده من المخالفات والمنكرات ما الله -تبارك تعالى- به عليم. وكل ذلك يُفْعَل بدعوى المحبة للنبي الكريم؛ فليست هذه بمحبة لرسول الله -صلى الله وسلم وبارك عليه-.

المحبة اتباع ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.

النبي الأسوة والقدوة ما احتفل بيوم مولده. والصحابة الكِرام العظام الضخام ما احتفلوا بيوم مولد النبي الإمام مع عظيم محبتهم له ﷺ.

هل كان يعلم النبي ﷺ أنه يجب على الأمة أن يحتفلوا بمولده أم كان لا يعلم؟ لو قلت كان يعلم أنه يجب علينا أن نحتفل بمولده ولم يبلغ، كتم شيئا من الرسالة ﷺ! كان يعلم أن هذا يقرب وعلينا واجب، وما أمرنا به ولا دلنا عليه! أخان الرسالة؟ كتم عنا مما أمر بتبليغه؟

وإن قلت كان لا يعلم، فكيف علمت أنت؟ أعلِمت شيئا جهله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أوحيٌ نزل عليك بعد موته؟

فالعبد يدور بين أمرين أحلاهما مر.

اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيه العصمة، فيه الهدى. أُناس ليس لهم في الليل قيام، ويؤذن عليهم الفجر وهم نيام، ويمر عليهم الإثنين والخميس وهم غير صيام. ثم بعد ذلك يدَّعون المحبة احتفالا بالنبي الإمام -صلى الله وسلم وبارك عليه-.

إن قلت نفعل ذلك تعظيما لرسول الله. فالصحابة كانوا يُعَظّمون رسول الله أكثر مني ومنك، ومع ذلك لم يفعلوا ذلك، وما صنعوا ذلك رضي الله ﷻ عن جميعهم. فليس هذا تعظيما ولا محبة.

وإن قلت هذا غالب عمل الناس -يعني الناس في بقاع الأرض يفعلون ويحتفلون- ففعل الناس ليس حجة على الشرع وان كثروا. إنما الحُجة في قال الله، وفي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لو فعلت الأمة أمرا لم يأت عليه دليل في كتاب الله ولا في سنة رسول الله فالعِبرة عندنا في قال الله، وقال رسوله -صلى الله وسلم وبارك عليه-.

ومن ادعى أنه يفعل ذلك إحياءً لذكرى رسول الله. إنما إحياء الذكرى يكون للذي نُسي وهُجِر وتُرِك، ولم يكن له في العالمين ذكر ولا أثر. فأنت تريد أن تذكر به الناس. من في المسلمين ينسى رسول الله! من فينا يا عباد الله ينساه! وإذا أذن المؤذن، قال: أشهد أن محمدا رسول الله. ونحن نتوضأ ونصلي كما علمنا رسول الله. ونسلم عليه في التشهد بين يدي الله. ونصلي عليه كلما سمعنا ذكره صلى الله عليه وسلم.

متى نسينا رسول الله؟

وأما من قال نفعل ذلك حتى وإن كان بدعة، فهو بدعة حسنة؛ فاعلم -أرشدني الله وإياك- ليس في الإسلام ما يقال له: بدعة حسنة. لأن رسول الله قال «كل بدعة ضلالة». ولم يقل هناك بدعة حسنة. هو أصدق أم من قال هناك بدعة حسنة؟ بالطَّبع قول النبي أصْدَق، وهو أعلم -صلى الله وسلم وبارك عليه-.

«من أحدث في أمرِنا» يعني في ديننا هذا «ما ليس منه فهو رد». فتمسكوا بما جاءكم عن رسول الله، وتمسكوا بما كان عليه الصحابة الكرام. ودعكم مما تعارفنا عليه من الأعراف والعادات والتقاليد. فالخير كل الخير في اتباع من سلف.

السابق
عمر بن عبد العزيز.. نموذجاً للحاكم العادِل
التالي
حقوق وواجبات الوطن على أبنائه